ابن البيطار

18

الدرة البهية في منافع أبدان الإنسانية ( تحفة ابن البيطار في العلاج بالأعشاب والنباتات )

طالبا لم يكن لي حنكة « 1 » في الصناعة فأخبرت أبى فنظر في الأمر مليا « 2 » ، ثم قال : استعمل ما أمرت به في نومك فانتفعت به ، ثم لم أزل أستعمله إلى أن صنفت كتاب « تقوية الأبصار » . الحالة الثالثة : ما يقع حصوله بالاتفاق والمصادفة مثل ما حصل ( لأندرماخس ) بأن سم الحيات يشفى بلحومها وهكذا كل سم لحيوان يمنع ضرره لحم ذلك الحيوان . وما وقع حصوله بطريق الإلهام كما هو لكثير من الحيوانات فإنه يقال : إن البازي « 3 » إذا اشتكى جوفه عمد إلى طائر معروف يسميه الإغريق ( ذريفوس ) فيصيده ويأكل من كبده فيسكن وجعه في الحال . ومما يروى أن الدواب إذا أكلت الدفلى في ربيعها أضر ذلك بها فتسارع إلى حشيشة هي ( بازدهر ) للدفلى فترتعيها ويكون بها برؤها ومما يحقق ذلك حالة جرت من قريب وهي أن ( بهاء الدين بن نفاذة الكاتب قص قصة مؤداها أنه لما كان متوجها إلى ( الكرك ) كان في طريقه ( بالطليل ) وهي منزلة كثيرة نبات « الدفلى » فنزل هو وآخر في مكان منها وإلى جانبهم هذا النبات فربط الغلمان دوابهم هنالك وجعلت الدواب ترعى ما يقرب منها وأكلت من الدفلى . فأما دوابه فإن غلمانه غفلوا عنها فسابت ورعت من مواضع متفرقة . وأما دواب الآخر فإنها بقيت في موضعها لم تقدر على التنقل منه « لقيدها في موضعها » فلما أصبحوا وجدت دوابه في عافية ، ودواب الآخر قد ماتت بأسرها في ذلك الموضع .

--> ( 1 ) حنكة : بضم الحاء وفتح الكاف : الخبرة والتجربة والبصر بالأمور . ( 2 ) مليا : زمنا طويلا . ( 3 ) البازي : جنس من الصقور الصغيرة أو متوسطة الحجم ، تميل أجنحتها إلى القصر ، وتميل أرجلها وأذنابها إلى الطول ، ومن أنواعه : الباشق والبيدق .